Connect

Quran Kareem Radio Station of Australia

Articles

الاستتباع الثقافي وآثاره على الهوية الإسلامية

لقد أدرك الغرب بعد الاحتكاك الذي دام سبعة قرون خلال الحروب الصليبية، أدرك أن المسلم لا يهزم أبدًا، مادام يعيش في ظل عقيدته، وأنه يستعصى على الذوبان ما ظل مستمسكا بدينه.

وبما أن الوسائل قد تطورت، ولم تعد الحرب الحديثة حرب جسد لجسد، وإنما تحولت لتصبح حرب عقل لعقل.. حرب فكر لفكر.. حرب مبدأ ضد مبدأ.. ومن ثم فقد انتقلت الحرب إلى ميدان العقل والفكر، ولم يعد لحرب الأجساد إلا مساحة بسيطة من ساحات الصراع.

أدرك الاستعمار بعد تجاربه التي كلفته كثيرًا في البلاد المستعمرة أنه بدلا من احتلال الأرض الذي يستفز المقاومة ويستثير الحمية ويدفع الناس إلى الفداء والتضحية كان لابد من الانتقال إلى أنواع أخرى من الحروب، خبيثة وماكرة، تأثيرها أكبر وسيطرتها أشد، إنها الحرب الفكرية والثقافية التي تبدأ خطتها وخطوتها الأولى بالتسلل إلى هذا الدين من الداخل.

هذا الدين الذي يشكل الحصن الذي لا يخترق والحاجز الذي لا يعلوه حاجز، قرروا أن يدخلوا إليه من الداخل، وأن يحفـروا فيه من داخله، وأن يجندوا لهم من الأتباع من يقوم بهذا الدور، وهو ما أطلق عليه أحد الباحثين المغاربة اسم "الاستتباع الثقافي" ويتضمن ثلاثة مصادر للتخريب تبدأ بالتنميط الثقافي، ثم التخريب الثقافي، وتنتهي بالتلبيس الأخلاقي، ومن ثم يتم احتلال الفكر واحتلال الثقافة واحتلال العقل والمشاعر والأحاسيس. ومن استطاع أن يسيطر على العقل واستطاع أن يسيطر على الحقل، سواء كان حقل زرع أو حقل بترول. ولقد حدد الدكتور طه عبد الرحمن مصادر العلة وبؤرة الإيدز الثقافي وألقى الضوء شرحًا وتفصيلاً على جذور تلك القضية فقال: لقد استطاع "الإنسان الكوني" - نستعمل مصطلح "الإنسان الكوني" بمعنى الإنسان الذي صنع الكونية الراهنة أو الواقع الكوني، ونستعمل على منواله مصطلحات أخرى مثل "الجمهور الكوني" و"المتسلط الكوني" و"الوعي الكوني" و"الرأي العام الكوني"- في طوره الأوروبي أن يخضع الشعوب المسلمة لسياسات تربوية وتعليمية تعزز استيطانه وسلطانه، وتنال من القيم الإيمانية والأخلاقية التي تحملها ثقافات هذه الشعوب والتي تبقي على صلتها بعالم الآيات في الكون، حتى كادت أن تجعل هذه الثقافات تنـزوي وترضى بوضع لا يتعدى وضع "الطقوس الشكلية" أو "التقاليد الشعبية" التي تثير فضول السائح وتستحق رفوف المتاحف، وبفضل هذه السياسة التعليمية الاستعمارية، تمكن "الإنسان الكوني" -في هذا الطور الأول- من أن ينشيء من أبناء هذه الشعوب نخبا أشرب أفرادها في قلوبهم ثقافته القائمة على النظر الملكي، لا النظر الملكوتي، حتى إذا رحل عن أراضيهم راغما، تولوا عنه تثبيت هذه الثقافة المنفصلة من ذويهم ومواطنيهم، وذلك بحجة أنها تضمن نظر ملكوتي يضر بكل تقدم؛ هذا مع ممارسته لألوان من الضغوط على أصحاب القرار والنفوذ في هذه الأوطان الإسلامية لكي يستمروا في سلوك نهجه التثقيفي الانفصالي..

التخريب الثقافي:

يتجلى هذا التخريب في نسف قيم الثقافة الإسلامية بكل الوسائل المتاحة لديه؛ نذكر من هذه الأعمال التخريبية التشكيك في الثوابت العقدية للدين الإسلامي، والتطاول على مقدساته بدعوى تحري النـزاهة والموضوعية، وكذا الطعن في الحقائق التاريخية التي تعلقت بالحضارة الإسلامية بدعوى التزام مقتضيات النقد العلمي؛ ونذكر منها أيضا تشويه صورة المسلم في الكتب المدرسية والروايات الشعبية والأشرطة المصورة ووسائل الإعلام بمختلف الأقطار الغربية، فضلا عن الافتراء على الشرع الإسلامي في أمور التخويف من الإسلام بشتى الصور، فهو "دين إرهاب" و"دين تطرف" و"دين كراهية للغرب"، وأنه أضحى خطرًا على الدول الغربية يهدد مصالحها في كل بقاع العالم..!!.

التنميط الثقافي:

يسعى "الإنسان الكوني" -لا سيما في طوره الأمريكي- بكل ما أوتي من قوة إلى فرض رؤيته الخاصة ومعاييره الثقافية على باقي الأمم، معممًا عليها نمطه الخاص في التفكير والسلوك، وذلك دعمًا لهيمنته الثقافية في ظل هيمنته الاقتصادية المتمثلة في السيطرة على رؤوس الأموال والأسواق التجارية والشركات العالمية؛ وهكذا، يصير النظام الثقافي العالمي الجديد عبارة عن الخصوصية الثقافية للأمريكان معممة على غيرهم من أمم العالم، مما يفضي حتمًا إلى تجريد الإنسانية من التنوع الثقافي والتعدد الحضاري اللذين تنبني عليهما الخصوصيات التي تتميز بها هذه الأمم، صار العالم الإسلامي أكثر من غيره عرضة لهذا التنميط الثقافي والاجتثاث لمظاهر التنوع والغنى في ثقافته، ناهيك عن منظومته من القيم الإيمانية والأخلاقية.

على أن هذا التنميط الثقافي الذي يراد بالمسلمين يظل تنميطا شاذا، حيث إنهم يجبرون على أن يأخذوا من ثقافة الواقع الكوني بالجزء الذي ليس هو السبيل إلى نهوضهم الحضاري، فقد قرر أربابه برئاسة الأمريكان أن يمنعوا وصول العلوم والتقنيات المتقدمة إلى العالم الإسلامي، وأن يحرموا شعوبه من الاستفادة منها في تحقيق تطلعاتهم إلى التنمية الشاملة، واضعين القيود على المصانع والشركات، وممارسين الضغوط على الدول والحكومات، ومتهددين كل من يخالف قرارهم بشتى العقوبات؛ ولا يقفون عند هذا الحد، بل يجاوزونه إلى تخريب ما حصله المسلمون بعد جهد جهيد من هذه العلوم والتقنيات، سواء بضربها في مراكزها في الأراضي الإسلامية أو بالعمل على قطع الإمدادات الضرورية لصيانتها والمحافظة عليها، أو بالتهويل من أمرها والتخويف من الدول الإسلامية التي تمتلكها، حتى يحملها ذلك على إيقاف مؤسسات التصنيع أو غلق مراكز البحث فيها.

التلبيس الأخلاقي:

قام الواقع الكوني، في طوره الأوروبي، على مبادئ حداثية ثلاثة تقطع صلتها بالأسباب الروحية للأخلاق: أولها، "مبدأ الاشتغال بالإنسان"، والمراد به -بطريق مفهوم المخالفة- ترك كل اشتغاله بالله، والثاني، "مبدأ التوسل بالعقل"، والمراد به ترك كل توسل بالوحي، والثالث، "مبدأ اعتبار الدنيا"، والمراد به مبدأ ترك اعتبار الآخرة، ومعلوم أن القيم الإيمانية العظمى الثلاث: "الله" و"الوحي" و"الآخرة" هي مصادر الأخلاق للآدميين، ذلك أنه لا أخلاق بغير قيم روحية تسمو بهمة الآدميين، ومن ثم أخرج لنا هذا الواقع الكوني إنسانًا ماديًّا دنيويًّا تتدهور معه أخلاق الإنسان المادي بين أبناء أمته، حتى أفسد عليهم طباعهم ولبَس عليهم في مروءتهم. والآن يخرج لنا إنسانًا غريزيًّا إباحيًّا، حتى كأنه بهيمة عجماء، ذلك أن مختلف القنوات الفضائية والشبكات الاتصالية التي يمتلكها أرباب "الإعلام الكوني" ما فتئت تبث عبر العالم كله من المشاهد والصور ما يندى له الجبين ومن الأحاديث والأخبار ما تتأذى منها الأسماع وتتقزز له النفوس؛ ولما اقتحمت هذه القنوات على المسلمين بيوتهم وعقولهم، فلا مفر من أن يصيبهم من أذى الإنسان الغريزي الإباحي نصيب، فتنحرف سلوكيات بعضهم أو تنحل عرى أسرهم أو تضعف روح الجماعة بينهم، شاهدين على أنفسهم بالخروج عن المرجعية الأخلاقية والوحيية التي تستند إليها ثقافتهم ذات الاتصال كما أكد ذلك كله الدكتور طه عبد الرحمن في مؤلفه الحق الإسلامي في الاختلاف.

* رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأسترالية للثقافة الإسلامية

رئيس إذاعة القرآن الكريم بسيدني

© Copyright 2012 QK Radio. Disclaimer | Sitemap