Connect

Quran Kareem Radio Station of Australia

Articles

الطبقية في منظور الإسلام!!


‎من المعروف أن الإسلام يسوي بين الناس ولا يعترف بفروق الجنس أو اللون أو الدم، ويرفض على طول الخط نظرية نجابة جنس بذاته أو دم بذاته، وإن اعترف بخصائص الشعوب والأجناس، لكنه اعتراف لا يحمل على الاستعلاء والتكبر والغرور والدعوة إلى سيطرة جنس على بقية الأجناس، والإسلام في ذات الوقت يعرف أن من طبيعة الإنسان أنه يحب التميز، وتلك غريزة في النفس البشرية، ومن ثم فالإسلام لا يصادر تلك الغريزة، وإنما يسمو بها ويفتح أمامها الأفق النافع، والذي يمكن أن يؤدي فيه التميز خدمة رائعة نافعة لا لصاحبها فقط؛ وإنما لكل طبقات المجتمع، فهنالك إعلاء لتلك الغريزة من ناحية، ومن ناحية أخرى يفتح باب التميز أمام كل راغب فيه، بل يدعو إلى ذلك ويرغب الناس في ذلك،

ومن ثم تكون تلك المساواة التي دعا إليها الإسلام واقعية من ناحية النظر إلى البشر جميعًا باعتبار الأصل الواحد والأخوة المشتركة، ثم تتبعها مساواة أخرى في فتح باب التميز والسباق إلى الخيرات أمام كل أحد دون تفريق أو محاباة. فالطبقية التي يعترف بها الإسلام ليست ذات أبواب موصدة؛ وإنما هي متاحة لمن يرغب فيها، وأبوبها مفتوحة على مصراعيها لمن أراد الدخول... كما أن أسبابها متوفرة للجميع متى توفرت الهمة وتحققت الرغبة الصادقة، ولذلك فباب التقوى مفتوح ومتاح للجميع، كما أن باب العلم مفتوح ومتاح للجميع. ومن ثم فنحن هنا أمام طبقية ولكنها من نوع جديد، إنها طبقية لا تأتي ميراثا يرثه الأبناء عن الآباء، كطبقية النبلاء أو طبقية الثراء والثروة، إنما هي طبقية تتصل بذات الإنسان ورغبته في السمو والكمال، وقدرته على مواصلة السير في ذلك الطريق المبارك. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13].

‎فتلك طبقية يتساوى الناس فيها من حيث الجنس أولا.

‎وثانيا، الجميع فيها يتساوون من حيث إتاحة الفرص أمام كل الأجناس.

‎وثالثا، التميز هنا لا يرجع إلى جنس بذاته وخصائصه، وإنما يرجع إلى رغبة من يرغب من أي جنس كان أو من أي لون كان. وتلك هي الطبقية الأولى.

‎أما الطبقية الثانية التي يعترف بها الإسلام في تمايز الناس وتقديرهم فهي الطبقية العلمية التي ترفع أهل العلم إلى مستوى مرموق في التقدير والتبجيل والتوقير، وتربط بين المعرفة والتطبيق من ناحية، وبين الغايات التي يسعى إليها العالم بعلمه من ناحية ثانية. قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة: 11].

‎وقوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [الزمر: 9].

‎فلا يكفي أن يكون لدى العالم عقل موسوعي مجرد، لكنه مقطوع الصلة بمن أبدع السموات والأرض، فقلبه فازع من الإيمان، ومشاعره خالية من الارتباط بالله، حينئذ يتحول هذا العالم في أي تخصص كان إلى مجرد (شريط كاسيت) أو (ديسك كمبيوتر).

‎وإنما العلم المعتبر في ميزان الإسلام هو الذي يرتبط بغاية، فإما أن يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردى، بصرف النظر عن نوع العلم وتخصصه، وهذا في الواقع إعلاء رائع لدور العقل ومكانته في مواجهة فريقين.

‎فريق يعظم قيمة العقل ويجعله حكما حتى على النص، وليس مجرد أداة لفهمه والبحث فيه.

‎وفريق آخر يحقر العقل، ويلغى دوره ويصادر حقه في التفكير والبحث.

‎وكلا الفريقين ينحو منحى في النظر إلى العقل ينآى به عن دوره الحقيقي ويخالف توجيه النصوص في توظيف القدرات والملكات وبيان الآيات كي يتدبر الناس ويعقلون وفق منهج يتميز به الإسلام وينفرد.

‎قال تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [البقرة: 242].

‎قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم، يهدي صاحبه إلى هدى، أو يرده عن ردى، ولا استقام دينه حتى يستقيم عقله) (أخرجه الطبراني).

‎وجدير بالملاحظة هنا قضية الربط بين استقامة الدين واستقامة العقل.

‎فكأن العقل شريك النص في التعرف على الحقيقة والوصول إلى المقاصد والغايات. ومن هنا كان العقل مناط التكليف، ولا تكليف على من لا عقل له.

‎قال تعالى: (إِنَّا أَنـزلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف: 2].



‎رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأسترالية للثقافة الإسلامية

‎رئيس إذاعة القرآن الكريم بسيدني

 

© Copyright 2012 QK Radio. Disclaimer | Sitemap