Connect

Quran Kareem Radio Station of Australia

Articles

القوارض الثقافية وقضايا التجديد والنهضة

الهيكلية التى تأسست في الأصل على الوحيين قرآنا وسنة، أحلت كل قيمة من القيم محلها المناسب، وأعطتها حجمها في البناء العقدى والبناء التشريعي والبناء الأخلاقى دون مغالاة أو تفريط ، فالمنظومة العقدية حررت الناس من خوف الخلق ومن هم الرزق وعبدتهم لله الواحد الأحد ، والمنظومة التشريعية أعطت كل قيمة قدرها وحجمها ومكانها ومكانتها ، والمنظومة الأخلاقة التى هى نتاج وثمرة للمنظومتين السابقتين العقدية والتشريعة ، خلقت في الوجدان الضبط الإرادى والضمير الحى الذى يذكر الإنسان دائما بأن هناك من يراه ويراقبه ويطلع منه على كل خفايا النفس ونواياه وبذلك استطاعت أن تؤسس حضارة الخير والحق والجمال ،

حضارة الخير للناس كل الناس باعتبار رسالتها رحمة للعالمين،

وحضارة الحق في العقائد والأخلاق والقيم،

وحضارة الجمال في الفنون والآداب،

ومن ثم تمت صياغة الإنسان الربانى والذى هو قدر الله الغالب وقضاؤه الذي لا يرد فكان بحق عبدا لله سيدا في الوجود والكون،وكان عمدتهم وأساسهم الذي اعتمدوه هو القرآن والسنة ومن ثم نعود فنذكر بأن الدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامي تعنى أن نعدل ميزان التصور للعقائد وللحقائق وللقيم المنبثقة عنهما ، وألا نترك الخلل في الميزان ،وإلا تحللت الوحدة الفكرية والعقدية التي تشكل الضمانات لبقاء الأمة داخل الدائرة الإسلامية، وبقاء أفرادها على خط الإسلام الصحيح المستقيم،

لذلك يتحتم على المثقفين والعلماء الجامعيين والمجمعيين ان يهبوا لتلبية تلك الدعوة وأن يبدأو في عملية إعادة بناء لهيكلية منظومة القيم الإيمانية والعلمية والأخلاقية ،وهى القيم التى نهضت بالأمة في عصورها السالفة وجعلت من المسلمين العالم الأول ،

ثم جاءت فترة التراجع الحضارى والانحطاط الفكرى فأصابت الأمة بحالات من التميع وفقدان الهوية، والتمزق وضياع الوحدة الشعورية، الأمر الذى عرضها للتآكل الذاتي من داخلها وفتح باب الاختراق والسيطرة من الخارج .

إن إعادة بناء وترتيب هيكلية منظومة القيم من جديد أضحت مطلبا ملحا تدعو إليه حالة الانكسار التى تعيشها أمتنا، وتفرضها ظروف المتغيرات العالمية التى تجرى حولنا، وهى متغيرات تجرنا جرا وتجرى بنا أيضا نحو مستقبل لم نحدده نحن ، ولا نعرف من معالمه وخريطته غير انه سباحة في محيط عظيم، رياحه عاصفة ، وأمواجه عاتية، وتحيط بنا فيه أسماك قرش كثيرة وتعترض سيرنا شعب مرجانية خطيرة ومدمرة.

والدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامي تعنى أن نمسك نحن في هذه الظروف على الأقل بدفة المركب ، وأن نحميها من الصدام بالشعب المرجانية، وأن نحافظ عليها وسط هذا الموج العاتى بعيدا عن سمك القرش الذى يتربص بها ويحاول توسيع الخروق ليدخل إليها.

والخلل في ترتيب منظومة القيم، يفقدنا السيطرة على دفة القيادة ويصيب بوصلة التوجيه بالعطب، فيضيع منا الطريق ويفقد المركب شراعه ثم تضيع مراسيه.

بمعنى آخر هى دعوة لتحقيق استقلالية الأمة وحماية قرارها وإرادتها من أن ترتهن للآخرين ، وتعفيها من فاتورة الحساب الذي تدفعه تخلفا ومذلة وقهرا وعجزا،

وما لم نعمل جادين على إعادة تجديد منظومتنا الفكرية والمعرفية ومن ثم ترتيب وتنظيم منظمومة القيم، فإنها ستتوارى ليحل محلها قيم أخرى مختلة ووافدة، يفرضها الغريب الذي احتل الأفكار والعقول والقلوب، قبل احتلال الأوطان والديار والأرض.

ولئن اعترفنا في حياتنا السكانية بوجود عشوائيات نشأت في غياب التخطيط والمراقبة ، تشكل نتوءات وشذوذا في المدائن والقرى، فإن في حياتنا الفكرية والثقافية عشوائيات وفدت إلينا في عصور الانحطاط واستقرت ، ثم زادت عن طريق الوافد الثقافى الجديد الذى مكن لها في بيئتنا ، وغرس عن طريقها خلايا الفكر المهجن والمدجن ، فنشأت تلك القوارض الثقافية وعشعشت في ثقافتنا ، وهى قوارض من نوع خطير لا تشوه الصورة فقط ، وإنما تعمل على كسر إرادة الأمة وتحويلها إلى أمة متسولة ملتحقة ومنسحقة، واستقبلت أمتنا تلك الخلايا ، وقد هدها طول السبات، فلم يعد لديها في جهاز المناعة من القوة ما تصد به أو تحاصر جراثيم تلك القوارض، ومن ثم تمكنت القوارض من مزاحمة الفكر الصحيح، وعكرت صفو المنابع الصافية في تراثنا الفكرى وعطلت النهضة وأخرت دور التجديد والمجددين.

وفى حادثة غير مسبوقة أوصت تيسى بليفنى وزيرة خارجية إسرائيل السابقة بوضع أغلب المقالات التى كتبت لأعضاء من هذه القوارض على صفحة وزارة الخارجية الإسرائيلية على النت باعتبارهم أصدق تمثيل لوجهة النظر الإسرائيلية ، فهم يمثلون سفراءها في أغلب الصحف والمجلات العربية ، وقد قرأ الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز واحدة من تلك المقالات ثم هب واقفا ليقول لجلسائه " كاتب هذا المقال يستحق أعلى وسام في إسرائيل .

هذه الواقعة المستفزة تجعل من الضروري قبل الدخول إلى العصر من عملية مراجعة مع الذات نعرف من خلالها من نحن؟

وماذا نريد تحديدا؟

وما الذي يمكن أن نأخذه وما الذي يمكن أن نرفضه؟

وهل لنا أصلا خيار في القبول أو الرفض؟

وهل لدينا منظومة من القيم تمكننا من التعامل مع المتغيرات مع الاحتفاظ بالخصوصية؟

وما الذي يمكن أن نفعله لنحصن أمتنا ضد تلك العشوائيات؟

الإجابة على تلك الأسئلة تحدد أولا إمكانيات الذات حين تتعامل مع الآخر.

كما لابد أن تكون تلك الاستجابة مؤطرة بسقف معرفي يحمل فى رؤيته بجانب ثوابتنا البعد الإنساني لما تحمله قيم الآخرين،

ويأخذ في الحسبان ونحن بصدد الحديث عن منظومة القيم الاعتبارات التالية :

• أن الفطرة قاسم مشترك بين البشر في كل المجتمعات وكل الشعوب والأمم، مهما اختلفت الأجناس والألوان واللغات.

• أن الحضارات تراكمية وبينها تلاقح وأخذ وعطاء ينتج عنه تفاعلات في الأفكار والثقافات تنتقل من عصر لآخر ومن بلد إلى أخر ومن حضارة إلى حضارة أخرى، وكل ذلك له تأثير في نسق القيم السائدة، وخصوصا ونحن نعيش عصر السماوات المفتوحة بفضائيات تفوق العد والحصر

• فإذا أضيف إلى ذلك ما أنتجته وسائل العصر من منظومة اتصالات تجاوزت بالصوت والصورة كل الحواجز والحدود، إذا وضعنا ذلك في الاعتبار فإن قضية الانفتاح على الآخرين والتعرف على مالديهم ـ ثقافة وحضارة ـ تصبح مطلبا ملحا للاستفادة مما تحقق هناك.

والاستجابة للتحدي لابد أن تنطلق من رؤيتنا نحن،

وبعيوننا نحن،

ووفق ثوابتنا نحن،

ثم لابد أن تكون تلك الاستجابة محسوبة بما نملك فعلا، لا بما نتمنى أن نملك.

وإذا كان بعضنا يجد في البحث لطلب العافية لأمتنا ويستنهض همة النخبة من الباحثين ليساهموا في نهضة ثقافية تحاول نفض السبات عن الأمة بتجديد الفكر الإسلامي وصياغة مشروع ثقافي من النوع الثقيل وإنهاء الغيبوبة التى طال ليلها، وذلك مطلب يشكل أمنية وحلما استطابته قلوب المخلصين، ولطالما دعت إليه أقلامهم، فإن على حركة التجديد ودعاتها والملتزمين بها أن يحددوا أولا موقفهم من تلك العشوائيات الثقافية والفكرية التى تملأ الساحة وتساهم في استمرار غيبوبة الأمة ،وتصب على عقول الأفراد سيلا من المخدرات الثقافية التى تدغدغ غرائزهم وتفصلهم عن واقعهم المرير، وتجعلهم يعيشون معزولين عن الزمان والمكان، مفصولين عن تاريخهم وتراثهم .

نقطة البدء هنا تبدأ بتنظيف الحقل الذى اختلط حابله بنابله، وذابت فيه النائحة الثكلى بالنائحة المستأجرة، لذلك فقد وجب التخلص من تلك العشوائيات التى تمثل القوارض الثقافية أولا ليكون التجديد على قاعدة صحيحة ومن خلال منطلق صحيح .

ثانيا : منطلق التجديد لابد أن يبدأ من رصيدنا نحن، وذلك يتطلب المصالحة مع الذات الفكرية والثقافية وإنهاء القطيعة بيننا وبين تراثنا.

ثالثا : العودة إلى الذات تتطلب قدرا من الثقة تزول معها حالة الالتباس بين الثوابت والمتغيرات من ذلك التراث ، وتتضح بها الفروق بين الوحى المعصوم قرآنا وسنة، وبين المخزون الفكرى والثقافي لعلمائنا ،على أن يتم التعامل معه بقدر كبير من الاحترام والتقدير ،وبعيدا عن القداسة والعصمة التى لم تثبت لغير القرآن والسنة.

و في هذا الصدد لن ننطلق من فراغ، فبرغم الضعف والسبات المصحوب بحالات التخلف والعجز والتبعية الممقوتة ـ فلسنا أمة لا جذور لها تقف في مهب الريح ، ومن ثم يمكن خلعها من أرض الوجود كما يتصورالبعض ويتمنى ذلك آخرون ، إنما نحن أمة مريضة فقط تعرف سر دائها ويمكنها أن تستعيد عافيتها ودرورها ورسالتها وبخاصة أن لديها رصيدا ضخما وعظيما حرك الدنيا وغير التاريخ ، وأعاد للوجود رشده وحرارة الحياة ، وهذا الرصيد الملزم لا يمنعنا من الاستفادة من تجارب الآخرين وحكمتهم، ولا يحول بيننا وبين النظر في معطيات الحاضر والأخذ منه ،

ولكنه يشكل بالنسبة للتراث الإنسانى بعمومه أعلى وأغلى وأغنى راسمال .

وفى هذا الرصيد الضخم منظومة من القيم تتسع دوائرها وحلقاتها لتشمل كل ميدان في الحياة ، كما يتسع تأثيرها ليصل لكل فرد ويصبغ كل سلوك للفرد والمجتمع والأمة.

فهل تحمل النخب الثقافية دعوة تبشر بأنه: قد حان الوقت لنستلهمه وننطلق منه ....؟



*رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأسترالية للثقافة الإسلامية

ورئيس إذاعة القرآن الكريم

سدنى أستراليا

 

© Copyright 2012 QK Radio. Disclaimer | Sitemap