Connect

Quran Kareem Radio Station of Australia

Articles

المسلمون بين جاذبية الماضي ومرارة الحاضر


‎بين جاذبية الماضي ببريقه الصافي ونبعه الألاق، وبين مرارة الحاضر، انقسم المسلمون إلى فريقين: فريق اكتفى بالانكفاء على الماضي البعيد، يلوذ به ويستجير، ومن هذا الفريق شرائح وفئات: فئة تجتر ذكريات الماضي، وتعيش في عالم من الوهم المريح خارج حدود عصرها وزمانها، وترضى من الحياة بالقليل الدون، تحت دعوى الزهد الموهوم أو الورع المتصنع لدى المقلين الذين تتطلع نفوسهم، لكن أسبابهم عاجزة فماذا يصنعون؟ وهؤلاء ينسحبون من الحياة بدعوى خاطئة، وشعار مغلوط يعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويترك ساحات الحياة للشياطين الهائجة تفعل فيها ما يحلو لها، وهذا الشعار مضمونه وفحواه أن الله تعالى: (أقام العباد فيما أراد).

وهي دعوى مردودة على أصحابها، لأن الله تعالى لا يريد بالناس إلا كل خير، ولأن الدين الذي نؤمن به ونعتنقه وننتسب إليه إنما جاء أصلا ليحرر إرادة الإنسان، وليجعل له دورًا ومكانة في توجيه دفة الحياة نحو الحق والخير والجمال (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [آل عمران: 110].

‎لكن أصحاب هذا التوجه ينسحبون من الحياة ولا يؤدون فيها دورًا رائدًا، ولا يشكلون قوة مؤثرة -لا حجمًا ولا وزنًا ولا دعوةً- رغم أن المسلم يجب أن يكون عنصرًا مشعًا لمبادئ دينه بالخلق العظيم والسلوك الحسن، والممارسات الراقية، والموقف الإيجابي في كل شيء.

‎وفئة أخرى حاولت وتحاول أن توفق أوضاعها، وأن تلتزم بما كان عليه السلف الصالح، وهذا موقف رائع في الحقيقة، غير أن أصحاب هذا التوجه قد غالوا في رفض كل جديد مبتكر، وغاب عن وعيهم الفرق الصحيح بين المقاصد والغايات، وبين الوسائل المؤدية إليها، كما أنهم تجاهلوا الفروق الدقيقة بين الثوابت والمتغيرات في شريعتنا الغراء، ولم يلتزموا في خطابهم مع الآخرين بالتي هي أحسن، واتسم خطابهم بالغضب الشديد، والتجهم للآخرين، والتهجم على الرموز، والتفتيش في صدور الآخرين وقلوبهم عن وسيلة تصنفهم ضمن أصحاب العقائد المختلة، فنصَّبوا من أنفسهم قضاة على قلوب الناس وعقائدهم، وجعلوا من أنفسهم أوصياء على العقائد ومن ثم فقد انتزعوا لأنفسهم سلطان الله من حيث لا يشعرون، حيث هو وحده الذي يكشف ما في الصدور، ويعلم ما في القلوب، هذا بالإضافة إلى جرأة غريبة لا صلة لها بالعلم ولا بالأدب في تناول العلماء الكبار والطعن في عقائدهم، وجسارة أكبر وأغرب في اقتحام معضلات المتشابهات، دون أن يتوفر لهم أدنى شروط البحث العلمي الرصين، ذلك فضلا عن اصطيادهم للشباب الساذج وحقنهم بتلك الجراعات المخيفة التي تلبي شعورالتميز لدى هؤلاء الشباب وتشعرهم أنهم وحدهم هم الطائفة الناجية، لأنهم وحدهم أيضًا هم أصحاب العقيدة الصحيحة، ولم يفتحوا صدورهم وعقولهم لقبول الآخر كطرف في الحوار قد يحمل على الأقل بعض الحقيقة، وقد يكون لديه شيء من الحق الذي ليس حكرًا على أحد بذاته.

‎غير أن الحق عندهم لا يتعدد ومن ثم فلا حاجة لحوار مع الآخرين، وإذا كان الحق لا يتعدد، فإن هذه كلمة حق أريد بها باطل، لأن وحدة الحقيقة لا تمنع من تعدد وجهة النظر إليها، وفي الدين الحنيف الذي جاء ختمًا للرسالات ومصاحبًا لمسيرة الإنسان إلى قيام الساعة، ومستوعبًا لحاجات البشر في الطول والعرض والعمق. في هذا الدين ما يدفع إلى فتح النوافذ والأبواب مع الآخرين، وضرورة الحوار الراشد الذي يستهدف الوصول بالإنسان إلى شاطئ الأمان في بحثه عن الحق والحقيقة معا. إن هذه الفئة لو تخلت عن هذه المثالب، لأدت دورًا رائدًا في رد الناس إلى دينهم ردًا جميلاً، بدلا من المسارعة إلى اتهامهم بالابتداع والفسوق أحيانًا، والشرك أحيانًا أخرى.

‎أما الفريق الثاني، فقد انكفأ هو الآخر، لكن في جهة معاكسة

‎لقد إلتوت أعناقه نحو الغرب، وجوهر الفكر الذي يحكم هؤلاء التائهين أنهم لا يرون، ولا يسمعون، ولا يعجبون إلا بما يأتي من هناك، وفي نظرهم لا خلاص ولا مناص إلا بالالتحاق والانسحاق، أي أننا يجب أن نلتحق بهم ونذوب فيهم، وبالتالي تنمحي من الوجود هويتنا وخصائصنا ومقوماتنا كلها، ونصبح خلايا في بنيانهم ونسيجا في لحمتهم الحضارية.

‎وهم لا يفرقون بين الشيء والفكر، ويفتقدون حاسة التمييز بين عالم الأشياء وعالم الأفكار، وهم بهذه الدعوة التي يبشرون بها ويدعون إليها ويتحمسون لشيوعها وإشاعتها إنما يريدون منا أن نرفع أيدينا تسليما وانهزاما، وأن نتخلى عن كل ما لدينا من تاريخ وتراث، وبذلك فهم يحملون لنا نحن المسلمين شرًّا كثيرًا.

‎وبين هؤلاء وأولئك تقف النخبة الواعية الداعية إلى الله بحق، تنير الطريق، وتضيء إشارات الخطر حمراء، وتحاول إعادة الوعي المفقود إلى الشخصية المسلمة باستعادة مقوماتها ومكوناتها، وبعث همتها وإحياء أملها في التطلع إلى حماية الكيان العام، وتحقيق الذاتية الإسلامية المستقلة، وجهود هؤلاء معروفة ومقدرة عند الله وعند المخلصين من خلقه.



‎* رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأسترالية للثقافة الإسلامية

‎رئيس إذاعة القرآن الكريم بسيدني

 

© Copyright 2012 QK Radio. Disclaimer | Sitemap