Connect

Quran Kareem Radio Station of Australia

Articles

أمية النبي صلى الله عليه وسلم وشبهات حول القرآن (2/2)


نستكمل ما بدأناه في المقال السابق، ونتحدث عن إعجاز القرآن في مضمونه ومحتواه، وربانية مصدره.. فالدارسون للقرآن الكريم يدركون أن الهدف الأول والغاية الأولى لهذا الكتاب (القرآن الكريم) إنما هو هداية البشر بالدرجة الأولى، وهو في سبيل تلك الغاية ينوع في أدلته وبراهينه ويدخل إلى العقل من كل مدخل ويتسلل إليه من كل منفذ ويحيط به من كل جانب، ومن ثم تنوعت موضوعاته لتشمل كل ميادين الحياة والكون والإنسان، ولا يمكن لكتاب أو لكاتب أن يخاطر بالحديث في كل تلك الموضوعات بداية بحكاية تاريخ بعض السابقين من أهل الأمم والحضارات البائدة، ومرورا بأحداث في المستقبل الآتي ثم نهاية بطرح حقائق علمية وحقائق كونية لم يتعرف عليها العلماء إلا في إلا القرون التالية، والأمر الأغرب أن يصدر هذا الكلام من فم رجل يعرف الجميع أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب اللهم إلا أن يكون على مستوى من الإيمان والثقة بأن ما يتلوه من قرآن إنما هو وحي صادر ممن خلق الإنسان والكون والحياة، وتلك شهادة يشهد بها لمحمد من آمنوا به وعرفوه وحتى من لم يؤمنوا به

ولم يعرفوه ممن درسوا وتخصصوا في علوم الكون وعلوم الحياة، بل يشهد بها رب محمد الذي اختاره رحمة للعالمين شهادة لمحمد بالرسالة ولكتابه بأنه وحي معصوم قال تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (سورة النساء: 166)

نماذج من المضمون في النفس والآفاق:

عندما نقرأ نصا واحدا من نصوص القرآن نزل منذ أكثر من 14.. سنة يقول: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت: 53)

نتساءل هل يمكن لبشر مهما كان عقله ومهما كانت ثقافته أن يغامر بمثل هذا القول وبصيغة المضارعة التي تدل على التجدد والاستمرار...؟ وهل يملك بشر مفاتيح الزمن في حاضره ومستقبله ليؤكد هذا القول في ثقة ووضوح........؟

والآيات هنا التي وعدنا النص بأن يراها أهل كل زمان في النفس والآفاق هي البراهين والحجج التي لا تتوقف عند زمن معين، وإنما تتجدد عبر الأيام والليالى لتكون شاهد صدق على ما قاله الله وما بلغه عنه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

ومحمد هو أول من تلقاها من البشر وتلاها على أصحابه وتعبد ربه بتلاوتها وتطبيقها، ومعروف أن البيئة العربية في زمنه صلى الله عليه وسلم كانت بيئة بسيطة في ثقافتها لا تعرف شيئا من مكتشفات العلوم الحديثة، بل إن العلوم الحديثة بكل نظرياتها وحقائقها لم تكن معروفة في ذلك الوقت لا عند العرب ولا عند غيرهم، غاية ما وصلت إليه البشرية في حينها لم يكن سوى شذرات متناثرة من بقايا بعض التعاليم الدينية لا يربطها رابط لدى بعض الأفراد في أماكن متفرقة، وهي لا تشكل على الإطلاق شيئا يذكر، أما الكتاب الذى نزل على محمد صلى الله عليه وسلم والذي استغرق في تكامله ثلاثة وعشرين سنة فهو يشكل منهجا متكاملا للحياة يخاطب العقل والوجدان والروح بكل وسائل الإقناع والإبداع والروعة، وتشير آياته إلى حقائق من العلم في الأنفس والآفاق لم تكن معروفة وقت نزوله، بل إن بعضها لم يكتشف إلا في عشرينيات القرن الماضي فقط كعلم الأجنة مثلا، وهو علم أفاض القرآن في الحديث عن كثير من حقائقه، ومثال ذلك: مراحل خلق الإنسان حيث ذكرها القرآن بتفصيل أبهر عقول العلماء المتخصصين من أمثال البروفيسور موريس بوكاي العالم الفرنسي المعروف، عندما قرأ نصا واحدا من القرآن فوجده يصور مراحل خلق الإنسان تصويرًا دقيقًا يتفق تماما مع حقائق علم الأجنة والتي لم يكتشفها العلماء إلا في القرن العشرين، كما أنه وجد النص الكريم يلخص قصة الحياة والموت من بدايتها وحتى منتهاها في خمس أيات فقط هي قوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ. وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)( المؤمنون: 12 ـ17)

وعلى أثر ذلك ألف بوكاي كتابه المشهور "التوراة والإنجيل والقرآن في ضوء العلم الحديث" وشهد الرجل فيه بأن محمدا الإنسان العظيم الذي قرأه وتلاه علينا وبلغه لنا كان أميا لم يذهب إلى جامعة ولم يجلس إلى معلم، فمن أين جاءته تلك الحقائق إن لم يكن هذا النبي الأمي تلقاه وحيا معصوما من الله الذي خلق الأنفس والآفاق؟!.

نموذج آخر: من المعروف في حقائق العلم الحديث أن طبقات الجو العليا يقل فيها الأوكسجين ويزداد فيها الضغط، وكلما زاد الارتفاع صعودا كلما زاد الضغط وقلت نسبة الأوكسجين وهذه حقيقة علمية لم تكتشف إلا بعد محاولات الطيران عندما تمكن الإنسان من صناعة الطائرات وصعد بها إلى السماء، غير أن القرآن أشار إلى هذه الظاهرة عندما تحدث عن أثر الهداية إلى الإسلام في شرح الصدر، بينما شبه الحالة العكسية وهي حالة الضلال بالحرج وضيق الصدر وكأن صاحبها يزداد ضغطه ويكاد لا يجد ما يتنفس به من الهواء وكأنه يصعد في السماء . قال تعالى ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 125) فهل كان هنالك من يعرف هذه الحقيقة من العرب أو العجم عند نزول القرآن .....؟!.

وهل تبقى في النفس شبهة بعد ذلك تدعى أن خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي ألف هذا القرآن من عند نفسه...؟

نموذج ثالث: في طبقات الجو العليا وخارج نطاق الجاذبية الأرضية كلما زاد الارتفاع يقل الضوء إلى أن ينعدم تماما ولا يوجد ضوء يساعد على الرؤية، ومن ثم يسود الظلام الدامس ولا تستطيع العين المجردة أن ترى شيئا، لأنه من المعروف أن العين لا ترى وحدها، وإنما لابد من وسط يعين على الإبصار، وفى أحد من المؤتمرات العلمية التى انعقدت في مصر تطرق عالم ألماني لهذه الحقيقة، وعندما قال له العالم اليمنى الشيخ عبد المجيد الزندانى نحن نعرف هذه الحقيقة منذ مئآت القرون، وكان رد الرجل مستحيل أن تكون هذه الحقيقة معروفة قبل الخمسينات من القرن العشرين حيث تم اكتشافها فقط في ذلك الوقت وبعد النشاط العلمى في الأبحاث حول الفضاء، فكيف تقول بأنكم تعرفونها منذ مئات القرون، وكان جواب الشيخ: أن القرآن حدثنا عنها قبل اكتشافكم لها، وازداد تعجب الرجل واستغرابه لهذا الكلام، حتى أتاه الشيخ بالآية التي أشارت إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (الحجر: 14-15) فطلب الرجل نسخة من القرآن وعكف عليها وتخلى عن جلسات المؤتمر، ثم لم ينته المؤتمر إلا وقد اعتنق الإسلام تصديق لقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(فصلت: 53) والضمير هنا في قوله تعالى "أنه الحق يشير إلى القرآن الكريم" فهو حق، نزل من الحق بالحق، (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا. قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا . وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء: 1.5-1.9)

والدارسون المحدثون لعلوم الكون وعلوم الحياة ممن قرءوا القرآن وتعرفوا على آياته يلحظون التوازن الفذ القائم في هذا الكتاب بين عالمين كلاهما من صنع الله، الأول قوله وهو القرآن، والثاني فعله وهو الكون، فكأن كلاهما يحيلك إلى الآخر في الدلالة على الله والتعرف عليه والاستفادة من هداياته. وتأمل هذه الآيات في الربط بين القرآن والكون وكأن كليهما وجهان لعملة واحدة (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(الواقعة: 75-8.)

(فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ. وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ . وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ . وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ . فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ .إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ .لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(التكوير: 15-29)

ومن ثم فقد امتزج في هذا الكتاب وفي تناسق عجيب وتماسك أعجب مجموعة من العوالم تجمع فيما بينها بين عالم المادة، وعالم الروح، عالم العقل والفكر، وعالم القلب والشعور والوجدان. عالم الغيب، وعالم الشهادة . فهل كان لمحمد صلى الله عليه وسلم من المواهب ما يجعله قادرا على فعل ذلك....؟ بل هل كان لدى أحد من العرب أو العجم تلك المقدرة حتى يدعي أنه هو الذي ألف هذا الكتاب ...؟ وصدق الله إذ يقول: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا) (النساء: 82)

* رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأسترالية للثقافة الإسلامية

 

© Copyright 2012 QK Radio. Disclaimer | Sitemap